محمد بن علي الشوكاني

74

الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني

" لا ينبغي لعالم أن يدين بغير ما دان به السلف الصالح من الصحابة والتابعين وتابعيهم ، من الوقوف على ما تقتضيه أدلة الكتاب والسنة ، وإبراز الصفات كما جاءت ، ورد علم المتشابه ( 1 ) إلى الله سبحانه ، وعدم الاعتداد بشيء من تلك القواعد المدونة في هذا العلم - أي علم الكلام - المبنية على شفا جرف هار من أدلة العقل بما يطابق الهوى ، لا سيما إذا كانت مخالفة لأدلة الشرع الثابتة في القرآن والسنة ، فإنها حينئذ حديث خرافة ( 2 ) ولعبة لاعب ، فلا سبيل للعباد يتوصلون به إلى معرفة ما يتعلق بالرب سبحانه ، وبالوعد والوعيد ، والجنة والنار ، والمبدأ والمعاد ، إلا ما جاءت به الأنبياء صلوات الله عليهم وسلامه ، وليس للعقول وصول إلى تلك الأمور . . . " ( 3 ) . كما أن الإمام الشوكاني سلك في الاستدلال على وجود الله مسلك القرآن الكريم ، وهو إثبات وجود الله عن طريق بيان عظمته وتدبيره المحكم ، وقدرته على كل ما في العالم ، وعنايته التامة بكل صغيرة وكبيرة . وقد اشتمل القرآن الكريم على الحجج والبراهين القاطعة التي تقمع شبهة كل ملحد أو منحرف ، في كل زمان ومكان . قال تعالى : { ما فرطنا في الكتاب من شيء } [ الأنعام : 38 ] أي ما تركنا في القرآن من أمر الدين ، إما تفصيلا أو إجمالاً ( 4 ) . ويمكن حصر الطرق التي سلكها الشوكاني في الاستدلال على وجود الله في طريقين : ( الطريق الأول ) : الفطرة والميثاق المعقود بينها وبين بارئها :

--> ( 1 ) علم المتشابه في القرآن هو العلم الذي يوكل بفهمه لعلم الله تعالى ، ولا يجب الخوض فيه ، وبخلافه المحكم فهو مفهوم لسائر الأمة . ( 2 ) من الأمثال النبوية ، وخرافة رجل من خزاعة ، كان قد غاب عن قبيلته ثم عاد ، وزعم أن الجن اختطفته ، وكان يحدث بأحاديث كذبا حتى ضرب به المثل : فقيل : أكذب من خرافة . ( 3 ) " أدب الطلب ومنتهى الأرب " للشوكاني ص 128 - 129 بتحقيقي . ( 4 ) فتح القدير . للشوكاني ( 2 / 114 ) .